كيف يسترجع الليبيون كيانهم المسلوب؟ نكون أو لا نكون

بقلم: نجلاء عبد الرحمن / ترجمة: المحايدون

بالتمعن في شأن تأسيس هذه الحركة وأهدافها المعلنة، تصدمني سخرية ازدواج التعبير والمغزى الخفي في اسم الحركة بذاته (خلاص يا قذافي)، الذي يعكس بشكل قاطع وعميق مأساة الشعب الليبي على مدى العقود الأربع المنصرمة، وهي تحديدا ذوبان كيان الأمة الليبية واختزال شخصيتها في شخص (القذافي) خلافاً لرغبات وتطلعات الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الليبي الذين لم يتمكنوا من بلورة شخصية متميزة لهم في العالم ورؤية واضحة لمستقبلهم مستقلة عن شخص (معمر القذافي). وحتى الآن ونحن نحاول التعبير عن طموحاتنا لمستقبل أفضل للأمة والوطن، فإننا نفعل ذلك من خلال معالجة هذا الشخص بذات

وباعتباري امراءة عربية مسلمة مغتربة، وحيثما يتم السؤال عن هويتي فلا مناص من أنفعال السائل فور معرفته باسم بلادي بالتعبير عن انطباعه المسبق والراسخ أن ليبيا تعني "القذافي" أو "معمر" وأحيانا ّلوكربي". حتى أنني أتسآءل هل المواطن المصري أو المغربي مثلا عندما يُسأل عن بلده يلقى رد الفعل بأن بلاده لا تعدو كونها "حسني" أو "محمد الخامس" مع علمي أن الإنطباع عن هذين البلدين الشقيقين بالتأكيد ليس القيادة السياسية بهما بقدر ما هو تاريخ البلاد والشخصية المميزة للشعب

بالنسبة لليبيا المسألة ليست بهذا الشكل مع الأسف. فخلال الأربعين سنة الماضية تم مسخ الشخصية الليبية وحرمان الشعب من أن يكون له صوت مميز أو صورة مميزة، منفصلة عن شخص العقيد وصورته، خلافاً لكل شعوب العالم الأخرى. بل أن الأدهى والأمر من ذلك هو غياب صورة مميزة لكيان الأمة الليبية حتى داخل الوطن. إن هذا الواقع كلان نتاج سياسة مقصودة واستراتيجية ممنهجة تهدف إلى منع ظهور أي شخصيات بارزة في المجتمع، وكتم أية أصوات معبرة عن الرأي. فعلي سبيل المثال لا الحصر يمنع المعلقين الرياضيين في التلفزيون من ذكر أسماء اللاعبين في مبارات كرة القدم، خشية الشهرة المحتملة بينهم والتي قد تنافس نجومية اللاعب الأول والفارس الأول والصقر الأوحد في البلاد. للدلالة على هذه السياسية التغيبية التي تعكس قلق القذافي من هذه الظاهرة التي تعتبر مقبولة بحكطم الأمر الواقع وبديهية في جميع أنحاء العالم

الحقيقة المؤسفة الآن هي أنه من المتعذر بل من المستحيل أن تتم مناقشة أي أمر يتعلق بالبلد حالياً دون اقحام شخص القذافي ضمنها. ويرجع ذلك في معظمه إلى تركيبة النظام الحاكم في ليبيا المبني على حطام مجتمع يفتقر لأبسط مقومات الدولة من مؤسسات اقتصاددية واجتماعية وسياسية. بل يفتقر لأي ملامح واضحة لإيديولوجية فكرية مقبولة (دع عنك مهاترات القذافي ذاتها)، بل يرتكز كيان الأمة على شهرة أو بألأحرى سوء سمعة شخص واحد تمكن من السيطرة على إرث مملكة فتية كانت تحبو على بداية طريق التأسيس وتسعى لبلورة كيان دولة مستقلة ذات سيادة وذات شخصية مميزة في العالم

تمكن معمر من انتهاز ضعف وهشاشة كيان الدولة الناشئة، ومن وأد بذرة المجتمع المدني، مقحما (شخصه) لملء الفراغ الناشئ عن ذلك. وهو ما يفسر عداء النظام الحاكم في ليبيا لأي حراك مؤسساتي بالبلد. الأحزاب السياسية؟ محضورة! حيث فسر أحد رجال النظام ذلك بقوله "أن الأحزاب السياسية لا تخدم أي هدف طالما أن جميع أفراد المجتمع في كفة واحدة". الاعلام المستقل؟ محضور، فالقذافي يرى أن كل هذه الأمور لا تعدو كونها أدوات بروباغندا. الاتحادات والروابط المهنية؟ محضورة، فليبيا القذافي ليس بها أجراء فيما يسمى "المجتمع الجماهيري". البرلمان؟ ليس ضروري! فهناك عوضا عن ذلك "مؤتمر الشعب العام" وهو جهاز تمثيلي يضم أعضاء يُعرفون بأرقامهم المدونة على لوحات يرفعونها عند الحاجة، ويخدمون غرض واحد وهو جوقة نشاز تهرف بما لا تعرف ولا تنفك تطلق هتاف التأييد للقائد. الدستور؟ محضور! مع أنه قدم "الكتاب الأخضر". اللافت للانتباه في جميع الأحوال أنه وبالرغم من حرص القذافي على اغتيال جميع مقومات الدولة، إلا أنه حافظ بشكل فعال على المؤسسات الأمنية لغرض استمرارية نظامه وإحكام سيطرته على البد

ولزيادة الطين بلة ، فإن القذافي كان طول الوقت محط اتهام خصومه الدوليين باستخدام موقعه السلطوي المغتصب لأغراضه الشخصية ولتعزيز مآربه، حتى صارت ليبيا بكيانها وثرواتها ومقوماتها الكامنة محرد دفتر صكوك في جيبه. يوظفه في مختلف نشاطاته السياسية والإرهابية، وهي تهم إن صحت تسفر عن المزيد من الأدلة على تجذر عقدة "جنون العظمة" الميغالمونيا لديه، التي فصلته تماماُ عن كل ما هو واقعي حوله، مستقطباً نقمة العرب والغرب على حد سواء، مسبباً في تعاسة الشعب الليبي ومعاناته في سلسلة طويلة من العقوبات الاقتصادية والدبلومساية التي أضرت بالناس، ولم تلحق به وبأعوانه أي أذى. ما أدى إلى عزل المجتمع الليبي وحرمانه من الفرصة لتحقيق الذات، ولو في الحد الأدنى

مقهور بعنف القمع الاستخباراتي، ومضطهد سياسياً، ومكبل الكيان، ومغبون اقتصادياً، وعديم القيادة، ومحروم من إيصال صوته إلى المؤسسات القانونية الدولية لمناقشة مطلمته المزمنة ومعاناته المتراكمة، وصل الشعب الليبي إلى مرحلة انهيار كل ما تبقى له من بنى تحتية، أمة أنهكتها الحروب وقهرها الفقر والتجهيل إلى النخاع، عوضاً عن كونها بلد ثري بالموارد الطبيعية والبشرية التي من شأنها أن ترفع مستواه المعيشي والانساني. الواقع أن وضع ليبيا في الوقت الحالي سواء تم قياسه بالدول المنتجة للنفط أو حتى بالدول عديمة الثروة صار مدعاة للرثاء والشفقة

وحتى اليوم، ونحن نرى ليبيا بوضعها الراهن بكيان منبوذ دولياً، وقد دخلت ما يسمى بمرحلة "الانفتاح" وشرعت أبوابها لأفواج المستثمرين الأجانب. لا زالت رهينة نظام عديم الشفافية والوضوح استشرى فيه الفساد المالي والإداري. يواصل فيه أذناب النظام حصد الأموال الطائلة من وراء عقد صفقات ما يسمى بالانفتاح مستمرين في ممارسة ساسياتهم الاضطهادية ضد الشعب. كل ذلك والمجتمع الدولي مصر على التعامي عما يجرى في ليبيا من انتهاك صارخ لحقوق الانسان. والزمن كفيل بالكشف عما إذا كان هذا الانفتاح سيؤدي بالنظام إلى التعرض للضغوط الخارجية للتوجه نحو الاصلاح، أو (وهو المرجح) أن الأطماع اللامتناهية في المشاركة في نهب ثروات الأمة ستعمل على مهادنة المجتمع الدولي لنظام الظلم والطغيان خشية حدوث قلاقل قد تؤدي إلى خسارتهم لاستثمارات تنهل من الاصطياد في الماء العكر. وللأسف فإننا نرى بوادر هذا الاحتمال قائمة منذ الآن

ولكن "خلاص يا قذافي" فعلاً لا قولاً، حان الوقت للانفكاك من قبضتك على رقبة ليبيا والليبيين! فمهما تكن العواقب الاقتصادية والسياسية التي ستترتب على ما يسمى بالـ "انفتاح" أو تأثيره على السياسات الراهنة للنظام الحاكم في ليبيا، فإن الشعب الليبي في نهاية المطاف هو وحده من يفترض أن يحقق التحول وهو وحده من يستطيع التغيير. الوضع الليبي لن يتحسن مطلقاً ما لم يجد الشعب الليبي طريقه ويتخلص من الموقف السلبي الذي تبناه طيلة الفترة الماضية. والفساد الذي استشرى وتغلغل في جميع نواحي الحياة في البلاد بعد عقود أربع طويلة من التعفن والركود، يحتم العمل على ايجاد هيكلية سياسية اقتصادية اجتماعية فعالة، والرجوع إلى تحكيم العقل والقانون، والتخلص من ربقة التبعية لشخص واحد واسترداد كيان الأمة وصوتها مهما يكن السبيل إلى ذلك طويلاً ومهما يكن الثمن مؤلماً

لقد سافرت إلى ليبيا بضع مرات في الفترة الماضية، ومن تجربتي الخاصة من خلال هذه الزيارات، أرى أن المؤشرات لا تبدو إيجابية. فالاحساس الذي انتابني من خلال التحدث مع الناس هو أن الشعب صار منهكاً بعد كل هذه السنوات من القمع والدوس على الكرامة والابتزاز بلقة العيش. سلبت منهم شخصيتهم التي كانت يوماً ما مستقلة، وأصبح الليبيون مهتمون بتأمين لقمة العيش وتحسين أوضاعهم الاقتصادية في الحد الأدنى أكثر من اهتمامهم المفترض بإصلاح الحكومة أو تأسيس مجتمع مدني فعال. ويمكن فهم هذه الوضعية بشكل عام، ولكن طالما استمر الليبيون في الخضوع للأمر الواقع والتسليم بقدرية نظامهم السياسي القائم، فحتى الاصلاح الاقتصادي إن تحقق لن يؤدي إلا إلى تنفيس مؤقت لا يحل المشكلة

صحيح أن سياسات النظام الحاكم المنغلقة، والرقابة المحكمة على مصائر الناس واللجوء إلى العقاب الجماعي والردع والقمع في معاملة الناس، كل ذلك أدى بشكل أو بآخر إلى نشوء ما يمكن تسميته بالرقابة الذاتية وظهور مجتمع سلبي تجاه أهم قضاياه الجوهرية، تعود على عدم الاكثرات لرصد الأخطاء وتوجيه النقد لذاته. ومع ذلك يجب على الليبيين أن يتحملوا المسؤولية على استمرار أوضاعهم الحالية. فالمجتمعات شأنها شأن الأفرد التي تخفق في محاسبة الذات ووضع اعتبار لذاتها في مجمل الحراك العام، بصرف النظر عن أسباب الإخفاق والعوامل المؤدية إلى تفاقمه، لا يمكن أن تنضج أو تتطور لمستوى امكانياتها المتاحة والكامنة. لا يمكن الاستمرار في انتظار ما قد يأتي من قيادتهم الحالية، ولذلك لا خيار لجميع الليبيين إلا الرجوع إلى الذات واسترداد كيانهم بأي طريقة للتوصل إلى الإصلاح المنشود. وعليهم كذلك التخلص من رسن العبودية الذي سلب منهم كيانهم ورهن مستقبلهم في سبيل نزوات لا تمت للعقل بصلة. يجب علينا جميعا أن نتحمل مسؤولية أنفسنا وأن نسترد هويتنا الجماعية من جديد. والثمن للتوصل إلى هذه الأهداف سيكون بلا ريب عاليا ومؤلماً، وليس هناك غير الليبيين من سيقرر إن كان الثمن يضاهي الهدف

 

to read in ENGLISH click here

للتعليق على الموضوع

أرشيف المقالات بللغة العربية

الصفحة الرئيسية خلاص

 

Copyright Enough/Khalas November 23, 2009